فيه طقوس كده مُتأصلة عند المصريين، بنشوفها على سفرة الأكل بإستمرار وتحديدًا في سحور شهر رمضان، لازم على السحور تلاقي طبق فول موجود وسط الأكل، وأيًا كانت الأصناف الموجودة لازم طبق الفول الجميل يشرف على السفرة وسطهم، والسحور مايكملش أبدًا من غيره، طب يا جماعة هو إحنا ليه بنعمل كده، وليه بناكل فول أصلًا على السحور؟، يقولك علشان الفول ده بيثبَت في البطن، قوم أنت لو كلتلك رغفين تلاتة منه على السحور، فـ أنت كده مش هتجوع طول اليوم وأنت صايم، وهتبقى عال العال، فياترى بقى إيه مدى صِحة الكلام ده، وليه الفول موجود في كل سحور؟

البداية

البقوليات عمومًا بما فيها الفول، بتمد الجسم بدُفعة كبيرة من البروتينات النباتية، والعناصر اللي بتساعدك على الإحساس بالشبع؛ وده لأن الفول بينتمى لـ فئة الكربوهيدرات المُعقدة، والكربوهيدرات في العموم بتكون عبارة عن نوعين، نوع بسيط ونوع مُعقد، الأنواع البسيطة بتكون زي الفواكه ومنتجات الألبان والسكر وغيرهم، ودي الأنواع اللي بمجرد ما بتوصل للمعدة ومنها لـ الأمعاء الدقيقة، بتتهضم بسهولة ومابتاخدش وقت ولا مجهود.
أما الكربوهيدرات المُعقدة، فـ دي بتكون عبارة عن سلاسل طويل صعب تفكيكها، بتدخل المعدة والأمعاء من هنا والأمعاء الدقيقة ما بتبقاش عارفة تعمل معاها حاجة.
الكربوهيدرات دي حرفيًا بتخدع الجسم؛ لأنها طول ماهي موجودة في البطن، والأمعاء بتحاول تهضمها وتتعامل معاها، فده فورًا بيدي إحساس مبدأي بالشبع؛ لأن طول ما المعدة والأمعاء بيتحركوا وبيقوموا بمهامهم، الجسم بيبقى مطمن، وما بيطلبش أكل.
الفول بتاعنا بقى لحسن الحظ بينتمي للفئة الشقية دي من الكربوهيدرات، الفول وغيره من البقوليات، من فئة الكربوهيدرات المُعقدة، بالإضافة لكده بقى، فـ اللي بيزيد من إحساس الشبع مع وجود الفول وزمايله من البقوليات في البطن، هو فكرة جرعات الطاقة المتتالية ودي فكرة طريفة جدًا.
طيب معناها إيه الجرعات المُتتالية دي؟، معناها ببساطة، إن الوجبة المعقدة لما بتكون موجودة في الأمعاء بتكون أشبه بـ خزان طاقة مُوفِر، مقارنةً بغيرها.
فلنفترض إن فيه شخص أكل قطعة حلويات وزنها 100 جرام، وشخص تاني أكل كمية من الفول وزنها برده 100 جرام، اللي بيحصل في جسم الشخص الأول هو إن الأمعاء بتاعته بتبدأ تتعامل مع الـ 100 جرام حلويات وبتفرز إنزيماتها، وبتقدر فورًا إنها تهضم الـ 100 جرام بالكامل، وبعد ما بيتهضموا، بيبدأ الجسم يشوف هو محتاج طاقة أد إيه، وليكن مثلاً محتاج طاقة بـ مُحصلة 30 جرام فقط من الوجبة، في الوقت ده اللي بيحصل إنه بياخد 30 والـ 70 الباقيين بيتخلص من معظمهم خارج الجسم؛ لأنهم ببساطة يعتبروا فائض غير مرغوب فيه.
المُدهش بقى إنه بعد شوية وبعد ما الشخص يبذل مجهود، بيبدأ فورًا يجوع تاني، لكن طبعًا جسمه للأسف بيكون إتخلص من الأكل الفائض، والمعدة والأمعاء في الوقت ده بتكون خالية من الأطعمة، للوهلة الأولى تسأل طب فيها إيه يعني لو كان الجسم خزن الـ 70 جرام حلويات الباقيين في أي مكان، علشان لو إحتاجهم بعد كده، لكن للأسف الجسم مش بيخزن أكل، أينعم ممكن يكون بيخزن كمية من الغذاء على هيئة دهون، لكن ده بيكون على فترات طويلة، لكن الأكل كـ أكل، ما بيتخزنش في الجسم، بس إستنى، مش كل الأكل، فيه وجبة شقية بتقدر تجبر الجسم إنه يخزنها لفترة معينة، والوجبة دي، هي الفول.

صاحبنا الشخص التاني اللي أكل 100 جرام من الفول، السيناريو داخل جسمه بيكون مختلف شوية، الشخص ده بيكون مثلاً محتاج طاقة بمقدار 30 جرام فول، بتبدأ الأمعاء في الوقت ده إنها كالعادة تهضم الـ 100 جرام كلهم، علشان تدي 30 للجسم وتتخلص من الـ 70 الباقيين، لكن الأمعاء في الوقت ده بتكتشف إن الفول ما بيتهضمش، أو بمعنى أخر، هضمه بيكون صعب جدًا وبيحتاج وقت، فـ اللي الأمعاء بتعمله في الوقت ده هو إنها بتهضم الفول على مراحل، بتبدأ تهضم كمية منه وليكن 30 جرام مثلاً وتديهم للجسم، ولما بتشتغل في الكمية الباقية علشان تتخلص منها، بتستغرق وقت طويل، وخلال الوقت ده بيكون الجسم خلص طاقته ومحتاج طاقة جديدة، وبالفعل بيبعت رسالة للأمعاء، والأمعاء في الوقت ده ترد عليه وتقوله والله إنت ابن حلال، ده أنا معايا كمية فول إضافية مغلبيني في الهضم، ويقوم الجسم فورًا مستخدم الكمية المتبقية من الفول ويستغلها في إنتاج الطاقة.
والوضع ده بيبدأ يتكرر عدة مرات، وفي كل مرة بيبدأ الفول يدي جرعة طاقة إضافية للجسم، وده بسبب طول عمره الإفتراضي داخل الأمعاء يبدأ الفول يدي جرعة طاقة إضافية للجسم على فترات متتالية على مدار اليوم، بيتتحلل ببطء وبيطلق الجلوكوز بشكل تدريجي للدم وكأن الفول عبارة عن خزان طاقة موجود داخل الجسم.
وطبعًا لازم ننوه إن السيناريوا اللي حيكناه ده ماهواش دقيق بنسبة 100%؛ لأن الموضوع ليه أبعاد أخرى معقدة، مفيش داعي للخوض فيها، ولكن الهدف من المثال تقريب الصورة بشكل مُبسط، طب هل الموضوع بيتوقف لحد كده؟، في الواقع لأ، الفول وأصحابه من الكربوهيدرات المعقدة بيحتووا على عناصر غذائية أكتر من مثيلتها من الكربوهيدرات البسيطة، وده زي الألياف مثلاً، بجانب الفيتامينات والمعادن، والعناصر دي بتساعد على الشبع بشكل كبير، ده غير إنها بتتهضم ببطء وبتدي إحساس بالشبع لفترة طويلة، وكل ماتزيد درجة تعقيد الكربوهيدرات ونسبة تركيزها، كل مابتزيد فترة هضمها، ده غير إن الألياف الموجودة في البقوليات، بسبب بقائها في الأمعاء لفترة طويلة، بتتخمر وبينتج عنها أحماض دُهنية قصيرة، بيُعتقد إنها بتساعد في تعزيز الشعور بالشبع.

إذًا في النهاية العادات المصرية على السحور بخصوص أكل الفول واللي تعتبر عادات فطرية بحتة، هي في الواقع عادات صحية وصحيحة علميًا، وقد يكون أصل العادة دي ظهر من خلال التجربة والتكرار، ونظرًا لكون الفول من أكثر المحاصيل الزراعية إنتشارًا في مصر منذ القِدم، فـ ده بالتابعية خلاه يظهر كـ طبق من أطباق السحور في رمضان بشكل عفوي، أينعم مكنش حد عارف بالظبط إيه السبب العلمي للحكاية، لكنهم بدأوا يتوراثوا العادة دي من جيل للتاني، ويكرروها بشكل منتظم.

فوائد غير تقليدية للفول

الحقيقة الفول ليه فوائدة عديدة خارج نطاق شهر رمضان الكريم، وممكن يتم استغلاله في أكتر من مهمة، وأحد أشهر المهام دي، هي عملية إنقاص الوزن، الفول وجبة مثالية ضمن وجبات إنقاص الوزن؛ وده ببساطة لأنه بيُشعِر الشخص بالشبع لفترات أطول وبالتالي بيقلل من الرغبة في تناول الطعام خلال اليوم، فـ لو حد عاوز يخس في الأيام العادية ويكبت من جوعه يدَّخل الفول فورًا ضمن وجبات يومه؛ لأنه بالتابعية هيحسسه بالشبع، الوجبات اللي بتحتوي على فول أو فاصوليا أو بازلاء أو حمص أو عدس غني بالألياف بتزيد الشعور بالامتلاء والشبع بنسبة تتعدى 31%، مقارنةً بالوجبات المماثلة اللي مش بتعتمد على البقوليات.
وبالفعل فيه دراسة تم إجراءها لمقارنة البروتينات النباتية بـ النشويات وغيرها، وأعطوا المشاركين وجبتين إفطار متطابقتين في السعرات الحرارية، ولكنهم مختلفين في النوع، وجبة منهم بتتكون من البروتين النباتي بشكل أساسي، والوجبة التانية بتتكون من النشويات بشكل أساسي، وبعد حوالي 8 أسابيع، المشاركين اللي كانوا بيتناولوا وجبة الإفطار المعتمدة على البروتين النباتي فقدوا من وزنهم نسبة أعلى من قرنائهم اللي إعتمدوا على النشويات، وده بالرغم من اتفاق الوجبتين في السعرات الحرارية؛ ودا ببساطة لأنهم كانوا بيشعروا بـ جوع أقل على مدار اليوم، وعشان كده من الضروري إنك تخلي البروتين عمومًا يمثل نسبة من 20 لـ 30% من إجمالي السعرات الحرارية اللي بتتناولها خلال يومك.
الفول أيضًا بيعتبر وجبة مثالية للأشخاص المصابين بداء السكري من النوع الثاني؛ وده لأنه بيساعد في تنظيم ارتفاع نسبة السكر في الدم بعد الوجبات، عملية الهضم البطيئة بتعني إن الطعام بيحتاج وقت أطول علشان يتحول لجلوكوز، وبالتالي مابيحصلش أي رفعات مفاجئة في مستويات سكر الدم، والأمر ده مهم جدًا لـ مرضى السكري على وجه الخصوص، ده غير إن الألياف عمومًا مهمة؛ لأنها بتعزز من انتظام حركة الأمعاء وبتساعد على التحكم بنسبة الكوليسترول في الجسم.
الفول كمان هو أحد الأسباب في تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ده غير إن حمض الفوليك الموجود في البقوليات، ضروري للصحة العامة، وبيساهم في صنع خلايا الدم الحمراء السليمة.

نصائح رمضانية

أخيرًا بالرغم من كون الفول مفيد في وجبات السحور زي ماقولنا، إلا إنه مفيد بصورته البسيطة اللي اتكلمنا عليها، ولكن فيه أصناف تانية من الفول ماينفعش إطلاقًا إننا ناكلها على السحور، وده زي الفلافل المقلية مثلاً أو الطعمية، واللي بالرغم من كونها عبارة عن فول مطحون، إلا إنها غنية جدًا بالزيوت، وده بيسبب العطش الشديد خلال نهار رمضان؛ وعلشان كده بيُنصح بتجنب الأصناف المقلية تمامًا.
ومن الجدير بالذكر إن فيه أيضًا تصرف عفوي بيتم أثناء تحضير وجبة الفول في بيوتنا، والتصرف ده اتضح إنه علميًا صحيح بنسبة 100%، والتصرف ده ببساطة هو وضع بعض التوابل على الفول زي “الكمون” أثناء تحضيره، الكمون بيقلل جدًا من انتفاخ البطن، ووجوده في الجسم مع الفول واللي معروف عنه بأنه بيقيم في الأمعاء لفترات طويلة بيكون ضروري ومهم جدًا، وده بخلاف فوائد الكمون الأخرى، زي علاج مشكلات المعدة، وعلاج الإمساك وعسر الهضم.