بالقرب من الساحل الكندي، عائلة من أب وأم وبنتهم خارجين في رحلة على أحد القوارب، وأثناء ما الأب والأم منشغلين، لاحظت البنت الصغيرة حاجة غريبة بارزة من سطح المياه، حاجة أشبه لخشبة أو عصاية، بس العصاية هتطفوا على سطح المياه، مش هتبقى بارزة كده وكأنها واقفة عليها، ولما دققت نظرها، لقت أنها مش مجرد عصاية عادية، ده عصاية شكلها عجيب ورسمتها حلزونية، وكأنها قرن سحري زي الموجود بالضبط عند وحيد القرن الأسطوري واللي اعتادت البنت تشوفه في أفلام الكارتون.
بسرعة، ندهت أبوها ومامتها، “بصوا بصوا، فيه وحيد قرن في المياه”، الأب بص، وفجأة، نده لزوجته وكأنه شاف كائن فضائي.
القرن السحري اللي فيه المياه، ظهر واحد تاني جمبه، وبيتحركوا مع بعضهم، وشوية، وارتفعت القرون السحرية أكتر فوق سطح المياه عشان تكشف عن المخلوقات الأسطورية صاحبة القرون.

حقيقة أم خيال

لو كلمتك عن حوت معروف باسم وحيد القرن، هتقدم أي سبب وسبب ورا تسميته بالاسم ده، بعيدًا عن كونه فعلاً حوت حقيقي عنده قرن طالع من رأسه، خصوصًا وإن وحيد القرن يعتبر بمثابة أحد أشهر المخلوقات الأسطورية على الإطلاق، بس الحوت اللي معانا دلوقت، مش أسطورة، ده حقيقة عايشة على طول السواحل والأنهار في جميع أنحاء القطب الشمالي والمناطق المحيطة بيها، وخصوصًا روسيا وكندا وجرين لاند.
طوله بيتراوح من 4 أمتار لـ 6 أمتار، ووزنه بيعمل في المتوسط حوالي 1.5 طن، معروف بأكتر من إسم، منهم “التَامُور والحَريش وكركدَّن البحر وحوت النروال narwhal”، لكن أكثر أسمائه شيوعًا على الإطلاق هو الحوت وحيد القرن.
وهو واحد من الحيوانات القليلة في عالمنا اللي أسرت العلماء والباحثين وخصوصًا القرن السحري بتاعه، فعلى الرغم إنه مش سحري بالمعنى المتعارف عليه في الحكايات والأساطير، إلا أنه سحري وسط عالم البحار.
في البداية كده، هو في الحقيقة مش قرن، ولا حتى خارج من مقدمة رأس الحوت، اااه، زمانك بتقول “شفت، أهو مش قرن ولا حاجة والموضوع أبسط من كده بكتير”.

قرن؟

بس لما تعرف الحقيقة، ممكن تكتشف إن الموضوع أغرب وأعجب من كونه قرن فعلي، الحاجة الأشبه بالقرن دِه، هي في الحقيقة ناب عاجي، أيوه، ناب، بس طويل حبتين، أو تلاته.
حوت وحيد القرن عنده في طرف الفك العلوي زوج من الأسنان، السن الشمال دايمًا ما بينمو في شكل ناب أو سيف عن السن اليمين، ويفضل يكبر ويكبر لحد ما يوصل طوله من مترين لـ 3 أمتار كاملين، طيب وإيه الغريب في حيوان عنده ناب طويل بارز من فمه، مافيه حيوانات كتير عندها نفس القصة؟
أي نعم فيه حيوانات داخل عالم البحار وخارجها عندها أنياب بتنمو لدرجة بروزها من خارج فم الحيوان، زي حيوان “الفظ walrus” على سبيل المثال إلا أن الغريب في الحوت وحيد القرن هو أن نابه بارز من فمه ومستقيم.
كل الحيوانات الموجودة في العالم واللي عندها النوعية ده من الأنياب البارزة، دائمًا ما بتكون أنيابها منحنية إلا الحوت وحيد القرن، يعتبر هو صاحب الناب الوحيد في عالم الحيوان اللي بارز من فم صاحبه، ومع ذلك مستقيم مش منحني، وكأنك بتتكلم عن سيف مش ناب.
بالإضافة أنه واحد من الأنياب المعدودة في عالم الحيوان، اللي واخد شكل حلزوني أو لولبي، فالناب بينمو في بنية حلزونية عكس اتجاه عقارب الساعة.
والعجيب ان الناب ده مرن وممكن يتني بنسبة صغيرة في اي اتجاه بدون ما يتكسر، والأعجب أن في الحالات النادرة أوي، ممكن السنتين اللي في الفك العلوي يكبروا مع بعض، يعني الحوت يبقى عنده نابين بارزين منه أو سيفين، طولهم مجتمعين يعمل 6 أمتار.

ولسنين طويلة كان الناب ده بيمثل لغز للعلماء والباحثين؛ لأنهم ماكنوش قادرين يحددوا طبيعته ولا الهدف الحقيقي منه، يعني أنت طبيعي أول حاجة هتفكر فيها بخصوص استخدامات الحوت للناب ده أنه بيصطاد بيه، وأكيد بيثقب فرائسه من خلاله قبل ما ياكلهم، والكلام ده غير صحيح بالمرة، ولا حتى منطقي.

سلاح أم قرون استشعار؟

تخيل معايا كده أن حوت وحيد القرن ثقب سمكة بالقرن أو السيف بتاعه، تفتكر ساعتها هيعرف ياكلها إزاي؟، الحيوان هيبقى علق في الناب وساعتها لا هيعرف ياكله وغالبًا حتى مش هيعرف يخرجه منه مرة تانية، طيب أُمال إيه فايدة الناب الطويل ده؟
كل ما يخطر على بالك من أفكار أو اقتراحات تم تقديمها بالفعل على مر السنين، فيه اللي قالك أنه منظم لدرجة حرارة الحوت، أو سلاح لصد الحيوانات المفترسة عنه، أو مسبار صوتي لاكتشاف الأصوات في محيطه، أو حتى أداة حفر بين الأسطح الجليدية المنتشرة في المناطق اللي بيعيش فيها.
وفيه اللي قال إن الهدف منها هو صراع الحيتان مع بعضها البعض للظفر بالإناث، أو حتى للتباهي بيها قدامهم “بصي أنا نابي طويل إزاي”.
وللاجابة عن اللغز ده تم تشكيل تعاون دولي ضخم عام 2000 لاكتشافات وحيد القرن تحت أسم “بحث ناب حوت وحيد القرن”، ولك أن تتخيل أن الأبحاث اللي نتجت عن التعاون ده شارك فيها 27 مؤسسة مختلفة مع أكتر من 48 عالم، منهم علماء وباحثين في علم الحيوان وعلماء في الأحياء البحرية وأطباء أسنان وجراحي عظام وغيرهم.

وكانت أبرز النتائج اللي توصلوا ليها كالآتي:
أولاً: كده وبالرغم إن الحوت من فئة الحيتان المسننة، إلا أنه في الحقيقة ماعندوش غير زوج أسنان فقط لا غير، يعني لو فتحت بقه مش هتلاقي حاجة غير سن واحد بخلاف السن اللي بارز منه بالفعل، وحميته الغذائية اللي بتعتمد على الحبار والروبيان اللي عامل زي الجمبري وأسماك الهلبوت halibut المفلطحة،كلها بيتم بلعها منه مرة واحدة بدون أي مضغ.
ثانيًا: زوج الأسنان دوول وضعهم أفقي مش عمودي، في الذكور واحدة بتنطر لبره من الشفة العلوية بالشكل الغريب ده، والسن التانية بتفضل زي ما هي، أما الإناث فمن النادر أن السن ينمو بالشكل ده، وإذا حصل مابيبقاش في نفس حجم الناب عند الذكور، والعلماء بيشوفوا إن لو الناب أو القرن ده كان ليه دور في نجاة الحيوان سواء باستخدامه في الصيد أو الدفاع عن النفس، كان في الغالب هيبقى موجود عند الإناث بصفة دائمة ووجوده ماكنش هيقتصر بس على الذكور.
ثالثًا: السن البارز ده أقرب لقطعة جلد تقريبًا من باب أنها بتحتوي على نهايات عصبية حسية، وهي صفة غير موجودة في أسنان الثدييات الأخرى إلا عندها إصابتها بمرض، بل أن السن نفسه مقلوب، يعني مبني بشكل أساسي من الداخل للخارج، يعني على عكس أسنانا فهي ناعمة من الخارج وكل ما تنزل في طبقاتها الداخلية بتبقى أكتر كثافة وصلابة، وده معناه أن الناب حساس جدًا وغير مؤهل أصلاً لاستخدامه كسلاح سواء في حالات الهجوم أو الدفاع عن النفس، لكن ده ما بيمنعش الذكور من استخدامه للمبارزة ما بينهم أثناء خناقاتهم على الإناث، بل إن الذكور بالفعل بيستخدموه لجذب الإناث ليهم.

واكتشف فريق الباحثين أن الناب بيقدر يستشعر التغيرات في ملوحة الماء، في إشارة أنه أقرب لجهاز استشعار عملاق، يعني تقدر تقول عليها ببساطة أنها “قرون استشعار” عند النوعية ده من الحيتان، وبالرغم من كل الدراسات والنتائج اللي ظهرت للنور لحد النهاردة، إلا أن عدد كبير من العلماء بيشوفوا أن لغز ناب حوت وحيد القرن، لسه ماتمش حله بشكل نهائي، وإن من الممكن نكتشف عنه أكتر في المستقبل.

تجارة الفايكنج

ولك أن تتخيل إننا في القرن الـ 21 ولسه النتائج مش كافية وسط المجتمع العلمي لفهم الحيوان بالكامل، فما بالك بقى بنظرة الناس للحوت ده في العصور القديمة، خصوصًا مع انتشار أساطير وحيد القرن والقدرات السحرية والعلاجية للقرن بتاعه.
صيد النوعية ده من الحيتان بيرجع عمره لمئات السنين، حتى أن الفايكنج استفادوا من أساطير وحيد القرن والقدرات السحرية لقرنه في تجارتهم، فالـ فايكنج اعتادوا صيد النوعية ده من الحيتان وبيع قرونها للأوروبيين على أنها قرون وحيد القرن الأسطوري.
وكان من ضمن الاعتقادات السائدة في العصور الوسطى إن أي كأس مصنوع من قرن الحوت ده بيحمي الشخص اللي بيشرب منه، ومن المستحيل يتم تسميمه؛ لأن الكاس بيبطل مفعول أي سم ينزل فيه، وبالرغم أن المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الحيوان ضيقوا الخناق على صيد النوعية دِه من الحيتان، إلا أن أهل “الإنويت Inuit أو الإسكيمو” مازالوا معتادين على اصطيادهم والاستفادة من أنيابهم وجلودهم.

وعلى الجانب الآخر، فالـ تغيرات المناخية وزيادة حركة السفن والمراكب في المناطق اللي بيعيشوا فيها بتأثر على أعدادهم بصورة تدريجية، فزيهم زي معظم الحيتان، بيعتاد حوت وحيد القرن التواصل عن طريق الأصوات بخلاف اعتمادهم على خاصية السونار للملاحة، وزيادة الضوضاء الناتجة عن السفن وغيرها بتجبرهم على الخروج من أجزاء كبيرة من بيئتهم الطبيعية.
كمان حركتهم المعتادة في مجموعات مؤلفة من 15 لـ 20 فرد، فده بيخليهم أحيانًا يعلقوا في حزم الجليد المنتشرة في مناطقهم، ووقتها بيقعوا ضحية سهلة لصيادي الإنويت أو حتى ضحايا للدببة القطبية وحيوانات الفظ.

لكنهم مازالوا محافظين على تعدادهم بعيدًا عن خطر الانقراض، ومازالوا كاتمين معظم أسرارهم عن العالم باستثناء أن الأسطورة ممكن تبقى حقيقة وإن الحوت ده بالفعل هو، وحيد قرن عالم البحار.