في ميم مشهور على مواقع التواصل الإجتماعي بيقول، ياترى أول شخص اخترع الساعة، أو ظبطها على الساعة كام؟، والحقيقة الموضوع بالرغم من إنه طريف جدًا، إلا إنه سؤال منطقي ويستحق الإجابة عليه.
الوقت من الأشياء المهمة الموجودة في حياتنا، بل إنه يكاد يكون أهم شيء على الإطلاق، حرفيًا الحياة بالكامل عبارة عن وقت، وعشان كده مهم جدًا إننا نفهم قصة الموضوع من البداية، الساعة البسيطة الموجودة مع كل واحد فينا، واللي بتدينا الوقت بشكل دقيق جدًا ومنظم، إمتى بدأت، وإزاي، وفين؟

البداية

بصوا يا جماعة، من الأخر كده، أول شخص اخترع الساعة أم عقارب دي، ظبطها عادي جدًا بناءًا على التوقيتات اللي كانت قبله؛ لأنه بالفعل وهو بيصنع الساعة كان أصلاً عارف الساعة كام في التوقيت اللي هو فيه؛ وده لأن في كل زمن، كان الناس عندهم الساعة الخاصة بيهم، واللي بتكون بمثابة مرجع أو سند للأشخاص اللي بيجوا بعد كده ويطوروا في نظام الساعات، وحتى لو الساعات الأولية مكنتش دقيقة، لكنهم برده كانوا بيقدروا يعرفوا الوقت من خلالها، وكانت بتفي بالغرض، بس كده.
لأ لأ رايح فين، اصبر لسه ما خلصناش، تعالى بقى عشان لسه هنبدأ الحلقة، الساعة العقارب اللي في إيدك، أو حتى الساعة الرقمية الموجودة في تليفونك، إستغرقوا من البشرية آلاف السنين عشان يوصلوا لشكلهم الحالي، والموضوع تقريبًا بدأ من حوالي 5000 آلاف سنة؛ وعشان كده خلينا نبدأ الموضوع بسؤال منطقي، هو إحنا ليه أصلاً محتاجين إننا نحسب الوقت؟، ما نسيب الدنيا ماشية زي ماهي كده وخلاص بدون تقويم.

والحقيقة أن الموضوع بدأ مع الشعوب القديمة لما بدأوا يهتموا بالزراعة، ولاحظوا أن في فترة معينة المحاصيل ما بتطلعش فيها خالص، وفترة تانية المحاصيل بتطلع فيها عادي جدًا، والموضوع كان بيتكرر بشكل منتظم وبوتيرة ثابتة، وفي نفس الوقت مكنوش عارفين يعملوا إيه، وهنا سألوا نفسهم سؤال منطقي وقالوا: يا سلام لو يبقى في حاجة نقدر نستدل بيها على مواعيد الأحداث اللي بتحصل!.
بعدها بفترة كان في واحد عاوز يقابل واحد صاحبه وإتفقوا على المكان، لكن صاحبه قاله تمام يا عم إحنا كده إتفقنا على المكان مفيش مشكلة بس المفروض بقى أستناك إمتى بالظبط، وطبعًا مكنش فيه إجابة، لكن بعدها الإتنين بصوا لبعض وقالوا: يا سلام لو يبقى في حاجة نقدر نستدل بيها على مواعيد الأحداث اللي بتحصل!.
وبعدهم كان فيه ناس مسافرين على سفينة في البحر ومش عارفين السفر هيستغرق أد إيه، وناس تانية كانوا بيشعلوا النار في أواني فخارية، وبرده مكنوش عارفين يخلوا النار مشتعلة لفترة أد إيه، وناس تالتة كانوا عاوزين يمارسوا بعض المهام والأنشطة، ومش عارفين هتستغرق منهم أد إيه، وناس رابعة وناس خامسة – وهكذا، وكلهم طبعًا لما كانوا بيتعرضوا للمواقف دي، كانوا بيقولوا في صوت واحد، الله ينور عليك، يا سلام لو يبقى في حاجة نقدر نستدل بيها على مواعيد الأحداث اللي بتحصل!.
وهنا بقى ظهر المصريين القدماء، وكذلك شعب بابل، وقالولهم إيه يا جدعان إنتوا داوشين نفسكم ليه كده، إحنا هنعملكم حاجة تقدروا تستدلوا بيها على الوقت وعلى مواعيد الأحداث اللي بتحصل.

أول ساعة

الموضوع ده بدأ تقريبًا في عام 3500 قبل الميلاد، المصريين القدماء بالإضافة لشعوب بابل، لاحظوا إن في أجرام مُضيئة بتتحرك في السما، شمس، وقمر، ومجموعة ضخمة من النجوم، ومربط الفرس في الموضوع، هو إن الأجسام دي بتتحرك بشكل دوري منتظم، يعني مش مجرد حركة عشوائية وخلاص، وهنا قرروا إنهم يستعينوا بالأجرام السماوية دي، ويستغلوا حركتهم الثابتة في تحديد الوقت، بل وكمان التقويم.

وقد كان، بدأوا يثبتوا عَصا أو قامة طويلة في الأرض، ويحطوها في مكان مفتوح ويخلوها مُعرَضة لأشعة الشمس، ولما الأشعة تسقط على العصا وتكوِّن ظل، بيبدأ الظل ده يتحرك حوالين العصا من وقت للتاني على هيئة شكل دائري، وبناءًا على مكان الظل كانوا بيقدروا يحددوا التوقيت، ودي كانت أول ساعة يتم صناعتها في تاريخ البشرية.

أول نموذج مبدأي لساعة الجيب

بعد كده الموضوع اتطور أكتر وكان المصريين القدماء بيبنوا مسلات مخصوص عشان تستقبل أشعة الشمس، وحوالين المسلات، كان بيرسموا دوائر مُقسمة لأجزاء منتظمة، ولما الظل يقع على جزء منهم، بيبقى ليه مدلول معين، أو قيمة معينة من الوقت، وبعد كده الموضوع اتطور أكتر، ومع مرور السنين وخصوصًا في حِقبة العصر الإسلامي، بدأ العلماء يعملوا نموذج مُصغر من الساعة الشمسية، وبدل المسلة الضخمة أو القامة، كانوا بيجيبوا صفيحة عريضة ويثبتوا في وسطها عصاية رأسية صغيرة في الحجم، وحوالين العصى كانوا بيرسموا دوائر وعلامات منتظمة، والنموذج ده كان معروف بإسم (المزولة)، وبالتالي من خلال المزولة دي، كانوا بيقدروا يستدلوا على التوقيت، وفي نفس الوقت يقدروا يتحركوا بيها في أي مكان، في البيت، وفي الشارع، وفي أماكن العمل؛ وعشان كده، دي ممكن إصطلاحًا كدا نعتبرها أول نموذج مبدأي لساعة الجيب في التاريخ.
وبالرغم من كون نموذج الساعة الشمسية مفيد وناجح، إلا إنه مكنش أحسن حاجة والنموذج كان مليان مشاكل كتير، يعني مثلاً طول الظل ومدة ظهوره كان بيتغير باختلاف فصول السنة، ده غير إن مع غروب الشمس وحلول وقت الليل، مابيبقاش في أي إمكانية للتعرف على الوقت أصلاً، وأحيانًا حتى في وقت النهار ممكن الجو يبقى مغيم، وبالتالي الظل بيختفي برده، وهنا قرر الناس إنهم يخترعوا ساعة ماتكونش معتمدة على الشمس أو الضوء بوجه عام؛ علشان تفضل موجودة ونقدر نستدل بيها في كل الظروف، وهنا بقى، بدأ عصر جديد في صناعة الساعات.

نماذج آخرى للساعات

ظهر عدد كبير من الساعات بعد الساعة الشمسية، لكن معظمهم كان معتمد على فكرة واحدة، والفكرة دي هي إنه ممكن يتم قياس الوقت على أساس عملية مُتكررة، يعني بالعربي كده، لو عرفنا مثلاً إن فيه حنفية أو صنبور بينزِّل قطرتين مياه كل ثانية، فمعنى كده إنه لو نزل 20 قطرة يبقى كده عدى 10 ثواني، وده بالفعل المبدأ اللي ظهر على أساسه، عدد كبير من الساعات.

وعشان كده هنلاقي مثلاً حاجة إسمها الساعة المائية، ودي كانت عبارة عن وعاء كبير مُمتليء بالمياه وموجود في أسفله ثقب، والثقب ده بينزِّل قطرات مياه داخل وعاء تاني موجود فيه علامات أشبه بالمسطرة، وبناءًا على العلامات دي بيقدروا يحددوا الوقت بسهولة.

وأيضًا ظهر ما يُسمى بالساعة الرملية، واللي كانت معتمدة على نفس المبدأ تقريبًا بس هنستبدل المياه بـ رمل ناعم، وكمان بدل ما الوعائين منفصلين، هيبقى فيه وعاء زجاجي واحد مكون من جزئين متصلين، ولو كمية الرمل خلصت فكل اللي علينا إننا نقلب الوعاء مش أكتر.
وبالإضافة للساعة الرملية ظهرت الساعة الشمعية، والساعة البخورية، وغيرها من الساعات، لكن برده كل النماذج دي فيها عيوب وما إستمرتش لوقت طويل، لحد ما ظهرت طفرة في تاريخ صناعة الساعات مع ظهور إختراع جديد، ألا وهو (البندول).

التاريخ الحديث لصناعة الساعات

العالم الإيطالي (جاليليو جاليلي) كان له فضل أولي في صناعة وتطوير البندول في نهايات حِقبة القرن الـ16، ووضح إن فيه فاصل زمني بين حركة البندول بيتم بوتيرة ثابتة أو بتردد ثابت، ومعدل الحركة ده بيعتمد على طول البندول، بغض النظر عن وزن الثقل المُعلق عليه.
ومن بعده جه من بعده العالم الهولندي (كريستيان هوجنس) وقالهم طب يا جدعان ما إحنا ممكن نستخدم الموضوع ده في صناعة نوع جديد من الساعات، وفعلاً طبق مبدأ حركة البندول في صناعة ساعة جديدة، ألا وهي (ساعة البندول)، واللي كان صداها واسع جدًا وإنتشرت في عدد كبير من البُلدان، بل إن فيه نماذج منها مازالت مُستخدمة لحد النهاردة. ومن الجدير بالذكر إن فيه عالم عربي مصري المعروف باسم (إبن يونس)، بيُقال في عدد من المراجع إنه ليه الفضل في إختراع البندول ووضع قوانين الحركة الإهتزازية قبل (جاليليو) بحوالي 600 سنة.
وبالرجوع لموضوعنا ساعة البندول مكنتش أحسن حاجة برده؛ وده لأنها مش مناسبة في الأماكن اللي هي أصلاً بتتحرك، يعني ماينفعش مثلاً يتم إستخدامها في وسائل المواصلات أو على متن سفينة؛ لأن الإهتزاز الناتج عن تحركهم هيأثر على حركة البندول، وبالتالي الساعة مش هتكون دقيقة.

وأخيرًا بقى مع حلول عام 1714 المسئولين في الحكومة البريطانية، كانوا عاوزين يجيبوا من الأخر، وأعلنوا جائزة قيمتها 20 ألف جنية إسترليني كـ مقابل لأي شخص يقدر يصنع نموذج لساعة دقيقة، ويريح البشرية ويتجنب كل المشكلات اللي فاتت، وطبعًا أول ما الفلوس دخلت في الموضوع، القصة تقريبًا إتحلت، وبدأ الناس يصنعوا نماذج لساعات غاية في الدقة، وكانت دي البداية لظهور عدد من الساعات الدقيقة زي مثلاً ساعة (جون هاريسون John Harrison) اللي كان بيتم إستخدامها في الملاحة البحرية، ده غير إنه كان ظهر أيضًا الساعات اللي بتتحرك بالأوزان المُتدلية، وساعات (الكوارتز) وساعات الزنبرك والساعات الميكانيكية اللي بالتروس، وظهر عقرب الدقائق وعقرب الثواني، وإنقسمت الساعات لـ ساعة يد وساعة حائط، بل وكمان ساعات إلكترونية، وقدر المُجتمع العلمي في النهاية إنه يوصل لساعات غاية في الدقة زي الساعات الذرية، واللي بعض الأنواع منها مش بتتأخر ثانية غير كل 300 مليون سنة.

وأخيرًا خلينا ننوه إن الوقت مش محتاج مننا أصلاً إننا نحسبه ولا الساعات بتاعتنا مثلاً هي اللي بتصنع الوقت، ولكنه كده كده شيء قائم بالفعل، الوقت أو الزمن، هو مفهوم موجود حوالينا في كل مكان، بنقدر ندركه بفطرتنا من قبل حتى ما يتم اختراع الساعات، وكل واحد اخترع ساعة ظبطها على الوقت اللي كانوا بيستخدموها وقت ما اخترع الساعة بتاعته.